محمد بن جرير الطبري
8
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا الآية ، فحاولوا تبديل كلام الله وخبره بأنهم لن يخرجوا مع نبي الله في غزاة ، ولن يقاتلوا معه عدوا بقولهم لهم : ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ فقال الله جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : يريدون أن يبدلوا بمسألتهم إياهم ذلك كلام الله وخبره قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ . فكذلك معنى قوله : لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ إنما هو : لا مغير لما أخبر عنه من خبر أنه كائن فيبطل مجيئه وكونه ووقوعه ، على ما أخبر جل ثناؤه لأنه لا يزيد المفترون في كتب الله ولا ينقصون منها ؛ وذلك أن اليهود والنصارى لا شك أنهم أهل كتب الله التي أنزلها على أنبيائه ، وقد أخبر جل ثناؤه أنهم يحرفون غير الذي أخبر أنه لا مبدل له . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ يقول : صدقا وعدلا فيما حكم . وأما قوله : وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ فإن معناه : والله السميع لما يقول هؤلاء العادلون بالله ، المقسمون بالله جهد أيمانهم : لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها ، وغير ذلك من كلام خلقه ، العليم بما تئول إليه أيمانهم من بر وصدق وكذب وحنث وغير ذلك من أمور عباده . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : لا تطع هؤلاء العادلين بالله الأنداد يا محمد فيما دعوك إليه من أكل ما ذبحوا لآلهتهم ، وأهلوا به لغير ربهم وأشكالهم من أهل الزيغ والضلال ، فإنك إن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن دين الله ومحجة الحق والصواب فيصدوك عن ذلك . وإنما قال الله لنبيه : وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ من بني آدم ، لأنهم كانوا حينئذ كفارا ضلالا ، فقال له جل ثناؤه : لا تطعهم فيما دعوك إليه ، فإنك إن تطعهم ضللت ضلالهم وكنت مثلهم ؛ لأنهم لا يدعونك إلى الهدى وقد أخطئوه . ثم أخبر جل ثناؤه عن حال الذين نهى نبيه عن طاعتهم فيما دعوه إليه في أنفسهم ، فقال : إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ فأخبر جل ثناؤه أنهم من أمرهم على ظن عند أنفسهم ، وحسبان على صحة عزم عليه وإن كان خطأ في الحقيقة . وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ يقول : ما هم إلا متخرصون يظنون ويوقعون حزرا لا يقين علم ، يقال منه : خرص يخرص خرصا وخرصا : أي كذب وتخرص بظن وتخرص بكذب ، وخرصت النخل أخرصه ، وخرصت إبلك : أصابها البرد والجوع . القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : يا محمد إن ربك الذي نهاك أن تطيع هؤلاء العادلين بالله الأوثان ، لئلا يضلوك عن سبيله ، هو أعلم منك ومن جميع خلقه ، أي خلقه يضل عن سبيله يزخرف القول الذي يوحي الشياطين بعضهم إلى بعض ، فيصدوا عن طاعته واتباع ما أمر به . وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ يقول : وهو أعلم أيضا منك ومنهم بمن كان على استقامة وسداد ، لا يخفى عليه منهم أحد . يقول : واتبع يا محمد ما أمرتك به ، وأنته عما نهيتك عنه من طاعة من نهيتك عن طاعته ، فإني أعلم بالهادي والمضل من خلقي منك . واختلف أهل العربية في موضع " من " في قوله : إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ . فقال بعض نحويي البصرة : موضعه